عنوان – جدة – إسرار السلمي :
نظّم نادي الكتابة الإبداعية شغفنا، تحت مظلة منصة هاوي الحكومية، دورة تدريبية بعنوان: ثقافة الصم ولغة الإشارة السعودية، وذلك على مدار يومي الأحد والإثنين الموافق 14 و15 يونيو 2026م، عبر منصة الزوم، في لقاء تدريبي ثري جمع بين المعرفة الإنسانية والتطبيق العملي.
وقد أدار حوار الدورة الإعلامي والصحفي القدير الأستاذ ظافر الشهراني، فيما قدّمها المدرّب والضيف الأستاذ يوسف البيشي، الذي يُعرف بحضوره الإبداعي ومبادراته المتنوعة، ويُسمي نفسه في كتاباته ومبادراته: طليق الحرف وصاحب القلم الماسي.
استُهلت الدورة بكلمة ترحيبية ألقتها نائبة رئيس النادي الدكتورة سونيا مالكي، رحّبت فيها بالحضور الكريم والمشاركين في الدورة، مشيدةً بأهمية هذا البرنامج المهاري، وبما يحمله من قيمة إنسانية ومعرفية ومجتمعية. وأكدت أن الدورة تمثل تجربة تدريبية ثرية على امتداد يومين حافلين بالمعرفة والتطبيقات العملية والتفاعل البنّاء، كما تمنح المشاركين فرصة مميزة للتعرّف على ثقافة الصم واكتساب أساسيات لغة الإشارة السعودية، بما يعزز مهارات التواصل الإنساني ويفتح آفاقًا أوسع للتفاعل الإيجابي مع مختلف فئات المجتمع.
كما أشارت الدكتورة سونيا إلى بعض إنجازات المدرب الأستاذ يوسف البيشي، بوصفه عضوًا فاعلًا ونشطًا في النادي، وله مبادرات إبداعية في المناسبات الاجتماعية والأيام العالمية، إلى جانب كونه من أعضاء الفريق الإعلامي الذي يرأسه الأستاذ ظافر الشهراني. واختتمت كلمتها بتقديم خالص الشكر والتقدير لمؤسس النادي الأستاذ خلف سرحان القرشي، على دعمه واهتمامه المستمر بنجاح هذا الصرح الإبداعي وتميزه في تقديم البرامج التي تثري الكتّاب والكاتبات وتسهم في نشر الإبداع في المجتمع.
وفي اليوم الأول، بدأ الأستاذ يوسف البيشي بالتعريف بثقافة الصم من منظور إنساني واجتماعي، موضحًا أنها ثقافة بصرية بامتياز، وليست مجرد غياب لحاسة السمع، بل منظومة إنسانية كاملة تُبنى فيها العلاقات والمشاعر والأفكار من خلال العين والقلب.
وأشار إلى أن فئة الصم وضعاف السمع قادرة على قراءة العالم بالتقاطة بصرية عالية، وأنهم رغم عيشهم في عالم صامت، يمتلكون إرادة قوية وعزمًا وإصرارًا على مواجهة صخب الحياة والتعبير عما يدور في خواطرهم.
وأكد البيشي أن لغة الإشارة أبعد ما تكون عن مجرد حركات يد، وأن اختزالها في ذلك يُعد تقليلًا من جمالها وعمقها، فهي لغة كاملة مثل اللغة العربية والإنجليزية، لها قواعدها الفطرية الدقيقة وبلاغتها الخاصة. فاليد فيها ترسم الكلمة، وتعبيرات الوجه تمنحها النغمة، وحركة الجسد تحدد السياق، لتصبح المعاني مجسدة وثلاثية الأبعاد أمام العين.
كما أوضح أن من جماليات لغة الإشارة السعودية أنها تحمل خصوصيتها الثقافية وهويتها المحلية، فهي تختلف عن لغات الإشارة في الدول الأخرى كما تختلف اللغات المنطوقة، مؤكدًا أنه لا توجد لغة إشارة عالمية موحدة. وتمتاز لغة الإشارة السعودية بإشارات مستوحاة من القيم والعادات والرموز الدينية والاجتماعية في البيئة السعودية، مثل إشارات الكرم، والترحيب، والمأكولات، والكعبة، والصلاة، وغيرها من الدلالات المرتبطة بالثقافة السعودية الأصيلة.
وتطرق المدرب إلى عدد من المفاهيم الخاطئة حول الصم، ومنها وصف الأصم بـالأبكم أو الأصم الأبكم، موضحًا أن هذا الوصف غير دقيق؛ فالأصم ليس أبكمًا، بل يمتلك وسيلة تواصل كاملة، لكنه لا يتحدث باللغة المنطوقة لأنه لم يسمعها ليحاكيها، في حين أن لغته الأم هي لغة الإشارة التي يستطيع التعبير من خلالها بطلاقة.
كما صحح الاعتقاد الخاطئ بأن الصم غير قادرين على الإبداع أو القيادة أو الإدارة، مؤكدًا أن في هذه الفئة العظيمة علماء ومبدعين ومفكرين وقادة قادرين على العطاء والتميز متى ما أتيحت لهم الفرصة وتهيأت لهم بيئة التواصل المناسبة.
وقدّم الأستاذ يوسف شرحًا وافيًا للإشارات الأساسية، بدءًا من الأحرف الأبجدية، مرورًا بالضمائر والأفعال، وصولًا إلى عدد من المفردات التعبيرية المستخدمة في التواصل اليومي. واختُتم اليوم الأول بالحديث عن أهمية لغة الإشارة السعودية بوصفها أداة تواصل فعالة تمكّن الصم وضعاف السمع من الاندماج في المجتمع، وإيصال رسائلهم وأفكارهم وإبداعاتهم إلى العالم من حولهم.
أما اليوم الثاني، فقد خُصص للتطبيقات العملية، حيث درّب الأستاذ يوسف المشاركين على مجموعة من الإشارات المرتبطة بالحياة اليومية، مثل إشارات العائلة، والترحيب، وإلقاء التحية، وكتابة الأسماء، وأساليب التواصل مع الآخرين، في أجواء تفاعلية حفزت الحضور على المشاركة والممارسة.
واختُتمت الدورة بتفاعل لافت من المشاركين الذين حرصوا على حضورها من بدايتها إلى نهايتها، مثنين على جهود الضيف الكريم والمدرب الأستاذ يوسف البيشي، وعلى حسن إدارة الحوار من الأستاذ ظافر الشهراني، ومقدّرين دور نادي الكتابة الإبداعية شغفنا في تقديم البرامج النوعية التي تجمع بين الإبداع والمعرفة وخدمة المجتمع.
وقد شكّلت هذه الدورة محطة تدريبية وإنسانية مميزة، أسهمت في تعزيز الوعي بثقافة الصم، والتأكيد على أن لغة الإشارة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل جسر إنساني راقٍ يصل القلوب قبل الكلمات، ويمنح المعنى جمالاً بصريًا وروحيًا يستحق أن يُفهم ويُحتفى به.