أعلنت وزارة الثقافة والفنون عن اعتماد ثلاث جمعيات وطنية رسميا لدى منظمة اليونسكو، لتنضم بذلك إلى قائمة النخبة العالمية التي تضم 59 منظمة غير حكومية فقط، المؤهلة لتقديم خدمات استشارية للجنة الدولية المشتركة لاتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي.
هذا الإنجاز متعدد الأوجه، الذي يضم كلا من الجمعية الثقافية "بسكرة تقرأ"، وفريق الدراسات حول تاريخ الرياضيات في بجاية في القرون الوسطى "جيهيماب"، وجمعية "إمكراس للتراث والفولكلور"، يعد تتويجا لمسيرات علمية وثقافية متميزة، ويعكس قدرة الحركة الجمعوية الجزائرية على المزاوجة بين حماية الموروث الأصيل والانفتاح على آفاق التحديث والابتكار، ليؤكد مجددا أن الجزائر ليست أرضا للتاريخ العريق فحسب، بل هي منارة معرفية وحضارية تسهم بفعالية في إثراء الذاكرة الإنسانية على المستوى العالمي.
"بسكرة تقرأ".. حين تلتقي عراقة الماضي بذكاء المستقبل
هنأت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أعضاء الجمعية الثقافية "بسكرة تقرأ" على اعتمادها الدولي، مثمنةً الجهود المتواصلة التي يبذلها شبابها منذ تأسيسها في 17 فيفري 2017، في مجالات حماية التراث الثقافي غير المادي، ونشر ثقافة المطالعة، وتقريب الكتاب من الجمهور.
وأكدت الوزارة أن هذا التكريم الدولي يعكس نجاح المنهجية المبتكرة التي تتبعها الجمعية، القائمة على مزج الأصالة الثقافية بالمستجدات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي. فالجمعية لا تقتصر على دورها التربوي والتعليمي، بل تمتد لتكون حاضنة اجتماعية تسعى إلى ترسيخ #حب القراءة، ونقل المعارف والحرف التقليدية والتقاليد الشفهية إلى الأجيال الناشئة، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء الوعي.
كما توظف الجمعية الذكاء الاصطناعي وتنظم "هاكاثونات" رقمية لتطوير حلول عصرية تحمي الموروث اللامادي من الاندثار، وتُتِيحُه بأساليب تفاعلية جذابة.
وأشارت الوزارة إلى أن الجمعية تؤدي دوراً استشارياً وتوثيقياً محورياً بوصفها شريكاً استراتيجياً، من خلال اتفاقيات تعاون مع مراكز بحثية مثل مركز البحث العلمي والتقني حول المناطق القاحلة (CRSTRA)، بهدف رقمنة الروايات الشعبية، مما يعزز مكانتها كواجهة مشرقة للمجتمع المدني الجزائري في المحافل الدولية، وعلى رأسها اليونسكو.
واختتمت الوزارة بالتأكيد على أن هذا الإنجاز لا يقتصر على كونه مكسبا لولاية بسكرة وحدها، بل هو انتصار للثقافة الجزائرية بأسرها، ويجسد ريادة المجتمع المدني وقدرته على حماية الذاكرة الجماعية وتمثيلها بجدارة دولياً، كما يعزز مكانة بسكرة كمنارة حضارية أصيلة تعكس غنى الهوية الوطنية.
"جيهيماب".. بجاية منارة العلم المتوسطي تعود بقوة
كما عبّرت وزيرة الثقافة والفنون عن سعادتها بمناسبة اعتماده فريق الدراسات حول تاريخ الرياضيات في بجاية في القرون الوسطى - جيهيماب GEHIMAB لدى اليونسكو. وأكدت أن هذا الاعتماد يعد اعترافا عالميا بمسار علمي وثقافي فريد، يعيد ريادة بجاية العلمية والثقافية، كونها منارة متوسطية للمعرفة، ويبرز مساهمة الجزائر في إثراء التراث الفكري والإنساني على المستوى العالمي.
منذ تأسيسها في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1991، تنبثق جمعية فريق الدراسات حول تاريخ الرياضيات في بجاية في القرون الوسطى (GEHIMAB)، كصرح علمي شامخٍ ومنارة معرفية تدافع عن الذاكرة العلمية للحواضر الجزائرية والمغاربية.
تضطلع هذه الجمعية، تحت قيادة البروفيسور جميل عيساني، بمهمة حضارية جليلة تتمثل في استنطاق التراث العلمي لبجاية من العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر؛ حيث تعيد بعث كنوز أسلافنا في علوم الفلك، والملاحة، والرياضيات التجارية، مع انفتاح عميق على التراث اللامادي من تصوف ومخطوطات أمازيغية وعربية نادرة.
ولم يقتصر أثرها على المتون النظرية، بل تجسّد في إرساء دعائم مؤسساتية رائدة، كمركز التوثيق حول تاريخ بجاية (CDHB)، ومتحف الماء ببلدية توجة، ومتحف الجيولوجيا، فضلاً عن صيانة مكتبات المخطوطات العريقة مثل "أفنيق ن شيخ الموهوب".
وتتويجا لهذا المسار الحافل، حظيت الجمعية بتقدير دولي استثنائي، تجلى في فوز إصداراتها بجائزة "الاختيار الأكاديمي المتميز" لعام 2024 من جمعية المكتبات الأمريكية، وتوشيح صدرها بـ"درع الاستحقاق الثقافي" في الجزائر.
إن هذا الإنجاز يعكس التزام الجزائر بصون تراثها العلمي، ويؤكد أن بجاية ليست فقط مدينة التاريخ، لكنها أيضاً مدينة العلم التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية.
"إمكراس".. إرث ميزابي أصيل يحظى باعتراف دولي
كما هنأت وزيرة الثقافة والفنون جمعية إمكراس للفولكلور (سهل وادي ميزاب – غرداية) نظير حصولها الرسمي على الاعتماد الدولي لدى منظمة اليونسكو. هذا التتويج الأممي يعكس بجلاء ريادة الجزائر في حماية موروثها الأصيل.
وتثمّن السيدة الوزيرة ببالغ التقدير حضور الأستاذ المهندس عمر بكلي بالزي الجزائري الأصيل، ممثلا الجمعية والجزائر بامتياز في هذا المحفل الدولي، وهو ما يعكس الوجه الحضاري الأصيل للجزائر في أهم المحافل العالمية.