إسلام سليماني: "لهذا أتحدث بالفرنسية"

0

عاد إسلام سليماني ليصنع الحدث والجدل من جديد، لكن هذه المرة بعيدا عن المستطيل الأخضر.

فالهداف التاريخي للمنتخب الجزائري وجد نفسه مجددا في قلب عاصفة من الانتقادات، عقب أول ظهور له كمحلل في شبكة "بي إن سبورتس" القطرية، خلال الأستوديو الخاص بمباراة الجزائر والأرجنتين في كأس العالم 2026، إلى جانب النجم الأرجنتيني كلاوديو لوبيز والمصري محمد أبو تريكة.

وكما حدث معه مرارا خلال مسيرته الكروية، لم يكن سليماني بحاجة إلى ارتكاب خطأ أو الإدلاء بتصريح مثير حتى يصبح مادة للنقاش والجدل. فالرجل الذي يعد من أكثر اللاعبين تعرضا للانتقادات في تاريخ الكرة الجزائرية وجد نفسه هذه المرة في مواجهة حملة واسعة بسبب اللغة التي استعملها في التحليل، رغم أن أغلب المنتقدين لم يناقشوا أفكاره أو قراءته الفنية للمباراة بقدر ما ركزوا على اختياره الحديث باللغة الفرنسية.

بل إن بعض الانتقادات ذهبت إلى أبعد من ذلك، بعدما اتهمته بالتنكر لأصوله وهويته، وتمجيد لغة المستعمر، والتعالي على اللغة العربية، بل وحتى التكبر على أبناء بلده، وهي اتهامات ثقيلة انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي رغم أن أصحابها تجاهلوا تماما الظروف والخلفيات الحقيقية التي دفعته إلى اعتماد اللغة الفرنسية خلال ظهوره التلفزيوني.. والحقيقة أن الوقائع تكشف صورة مختلفة تماما.

فبحسب ما أوضحه سليماني في حديث  قصير مع "الخبر"، فإن عرض الانضمام إلى شبكة "بي إن سبورتس" وصله منذ فترة، لكنه أبدى ترددا واضحا في البداية بسبب عدم تمكنه من الحديث باللغة العربية الفصحى (كأغلب الجزائريين) وبالشكل الذي يسمح له بإيصال أفكاره، أكثر من هذا، مسؤولو القناة وضعوا أمامه خيارين واضحين: الحديث باللغة العربية الفصحى أو استخدام لغة أجنبية مع توفير الترجمة، على اعتبار أن اللهجة الجزائرية ليست مفهومة لدى عموم المشاهدين العرب.

وبعد تفكير طويل، قرر سليماني قبول العرض مع خوض التجربة الأولى له في هذا المجال باللغة الفرنسية، ليس تنكرا لهويته كما حاول البعض تصويره، وإنما لسبب عملي ومنطقي يتعلق بعدم إلمامه بالمصطلحات الكروية باللغة العربية. وقد ظهر ذلك منذ وصوله إلى مقر القناة لتحليل مباراة الجزائر والأرجنتين، عندما تحدث بشكل عفوي مع محمد أبو تريكة مستخدما بعض المفردات المتداولة في الوسط الكروي الجزائري مثل كلمة "centre" والتي لم يفهم نجم الأهلي السابق معناها قبل أن يتدخل أحد الحاضرين ويوضح أن المقصود بها "العرضية"، ليطلب منه أبو تريكة، بعدما أبرز له سليماني مشاكله في إيصال أفكاره، أن يتحدث باللغة التي تناسبه أكثر.

وتكشف هذه الحادثة البسيطة حجم الإشكال الحقيقي. فاللهجة الجزائرية، وخاصة في المجال الرياضي، تضم عددا كبيرا من المفردات الفرنسية التي قد لا تكون مفهومة بالنسبة للمشاهد العربي. ولهذا فضل سليماني الحديث باللغة التي يستطيع من خلالها التعبير عن أفكاره بسلاسة، بدلا من أن يجد نفسه متوقفا عند كل جملة بحثا عن المصطلح والكلمة المناسبة.

وقد حاول مقدم القناة القطرية في أستوديو التحليل حث سليماني على الحديث بالعربية، كونه كان يتحدث معه بهذه اللغة قبل انطلاق البرنامج، لكن سليماني أكد له بأن المشكل الأكبر يبقى عدم إلمامه بالمفردات العربية المتداولة في مجال كرة القدم، وأنه لا يعرف لها شكلا سوى بالفرنسية.

أما الذين يتساءلون عن سبب تحدث أبو تريكة باللهجة المصرية في "بلاتوهات" القناة "البنفسجية"، فالأمر يعود ببساطة إلى أن اللهجة المصرية أضحت منذ عقود مفهومة في مختلف أنحاء الوطن العربي بفضل سنوات طويلة من انتشار أفلام السينما والمسلسلات المصرية ووصولها إلى كل بيت عربي، وهو واقع يختلف تماما عن وضع اللهجة الجزائرية.

كما أن المقارنات التي أثيرت مع رفيق صايفي ورفيق حليش تبدو غير دقيقة، فالثنائي يقيم في قطر منذ سنوات طويلة وخاض تجربة العمل الإعلامي تدريجيا، واكتسب مع الوقت قدرة أكبر على استخدام اللغة العربية الإعلامية.

أما سليماني فما يزال في بداية تجربته الجديدة والتي لا يستبعد أن تكون الأخيرة. وبالمثل، فإن مقارنة ما يحدث معه اليوم بتجربة علي بن شيخ في قناة "الكأس"، خلال بطولة كأس العرب الأخيرة، تبدو بعيدة عن المنطق.

فبرنامج "المجلس" كان معروفا منذ نشأته بتركيزه على الجدل والإثارة وصناعة التفاعل أكثر من اهتمامه بالتحليل الفني البحت. ولهذا كانت القناة تبحث عن شخصيات قادرة على إثارة النقاش بغض النظر عن اللغة المستعملة. أما في "بي إن سبورتس" فالأمر مختلف تماما، حيث يبقى المحتوى التحليلي وإيصال الفكرة للمشاهد هو الأولوية.

ورغم كل ما قيل ويقال، لا يبدو سليماني منشغلا كثيرا بهذه الانتقادات. فاللاعب الذي تحمّل خلال مسيرته من الضغوط والهجمات ما لم يتحمله كثيرون، واصل دائما طريقه دون الالتفات إلى الأصوات المشككة. واليوم يبدو مصمما على خوض تجربته الإعلامية بالطريقة التي يراها مناسبة.

ورغم الانتقادات التي وصلت مستوى كبيرا من التجريح، سيواصل الهداف التاريخي للمنتخب الجزائري الظهور باللغة الفرنسية في المواعيد المقبلة على شاشة "بي إن سبورتس"، بداية من مشاركته في تحليل مباراة البرازيل وهايتي. ولم يكن اختياره لهذا الموعد صدفة، بل لأنه يبقى اللاعب الجزائري والعربي الوحيد الذي خاض تجربة الاحتراف في الدوري البرازيلي، كما سبق له اللعب إلى جانب عدد من نجوم تشكيلة المدرب كارلو أنشيلوتي، على غرار لوكاس باكيتا وبرونو غيماريش، خلال فترة حمله ألوان أولمبيك ليون الفرنسي، وهو شرف لا ينكره، للأسف، إلا الجاحدون من أبناء بلده.