نسمع أرقامًا مرعبة مذهلة في قطاع التربية والتعليم العالي: عدد مؤسسات، عدد مؤطرين، عدد أساتذة، عدد تلاميذ وطلبة، زيادة الميزانيات، ونسمع دائما عن تجديد البرامج، تطوير المناهج، رقمنة القطاعين، تصنيفات عالمية.. الخ. وبغض النّظر عن صدقيتها أو عدمها تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن إنكارها، ولا يمكن تغطيتها لا بالأرقام ولا بكثرة النشاطات، ولا بالصور وتضخيم المرئية؛ هي أن المستوى في تراجع مستمر في كل الأطوار من الابتدائي إلى الدكتوراه، وصل الحضيض إلا قليلا، ولا يزال ينزل، ومستوى الخريجين في كل المراحل من التعليم الابتدائي إلى الليسانس والماستر والدكتوراه متدنٍ بشكل مخيف، بل ومستوى كثير من الأساتذة ضعيف متهلهل إلا قليلا، ناهيك عن شيوع الغش والسرقات العلمية، والبقية البقية قضت عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تغذي الغباء البشري، مع العيش في وهم الأرقام، ووهم الدراسة، ووهم البحث العلمي دون الدخول في التفاصيل.
وليس هذا من التشاؤم والنظرة السوداوية في شيء، بل هو توصيف للواقع وتقرير لبعض الحقيقة لا غير، وأوكد أنه يستحيل أن يجادل أحد مهما كان منصبه في أن المستوى تراجع وما يزال في تراجع، وهذا يكفي في صحة ما ذكر، فما دام المستوى في تراجع فكل السياسات والخطط محل مساءلة، إن لم نحكم عليها بالفشل بإجماع، وبأسف شديد للغاية.
وزاد الطين بِلة هذه العطل [عطل وليس إجازات] التي قضمت السنة الدراسية من أطرافها، فصدق فينا قول من قال: السنة الدراسية هي مجموعة عطل تتخللها أيام الدراسة. خاصة هذه العطلة الصيفية الطويييلة الأمد، التي يبتعد فيها أولادنا عن الدراسة قرابة أربعة أشهر، يأكلهم فيها فراغ رهيب، وتبتلعهم دوامة الهواتف الذكية، وتنهشهم آفات وانحرافات خطيرة، ويعتادوا فيها الكسل، وتضييع الأوقات، وهدر حياتهم في الترفيه والتفاهة والسفاهة إلا قليلا من المحظوظين، وفي ذلك هدر لمقدرات الأمة كلها، وضياع لمستقبل البلاد كما هو ضياع لمستقبلهم.
هل يمكن لعاقل أن يخالف في ما ذكر؟ مستحيل. فهل يمكن أن يبقى العقلاء متفرجين على هذه الحال الأسيفة؟ إن الفراغ الذي يلف حياة أولادنا من كل جوانبها خطر ماحق، فقد قال الصادق المصدوق عليه السلام: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناسِ الصحة والفراغ” رواه البخاري. وهذان ما يتوفران للشباب والشابات خاصة، وأبو العتاهية يقول:
إن الشباب والفراغ والجدة
مفسدة للمرء أي مفسدة
ومثل الإنجليز المعرب يقول: (دماغ الكسلان معمل الشيطان). وحين تجتمع هذه الأمور: الشباب، الفراغ، الشيطان، الانترنت بمختلف مواقعها ووسائطها مع طول المدة، فماذا تنتظر من الشاب أو الشابة؟؟ إلا الفساد أو الانحراف وفي أحسن الأحوال تضييع الأوقات في التفاهة؟
يضاف إلى عجز المدرسة والجامعة عن وقف تدهور المستوى، كون المناهج المتبعة لا ترسخ الهوية الوطنية ولا تحصنها ولا تحفظها إلا قليلا، وقد تخرّجت أجيال معرفتها بتاريخ الجزائر ضعيفة بشكل مخيف، ولغتها العربية سيئة جدا، واعتزازها بالانتماء الوطني والحضاري باهت، إلا قليلا قليلا، وهذه أيضا حقيقة لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن إنكارها. وهنا تبرز أهمية المدارس القرآنية وأهمية الوظيفة التي تقوم بها، وأهمية الإسهام الذي تسهم به في تأطير أبنائنا، وملء فراغهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وتقوية علاقتهم بلغتهم العربية وهويتهم الوطنية والحضارية، وترسيخ مبادئ دينهم وقيمه وعقائده، خاصة أن الإسلام هو أقوى مكونات الهوية الوطنية تأثيرا، وأنجعها في تحصين المرء من وسوسة شياطين الإنس وشياطين الجن، وتحصينه أمام تحديات الحياة المعاصرة وتعقيداتها.
وإن من الهام جدا أن نقف مع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم الشهير: “خيرُكم من تعلّم القرآن وعلّمه” رواه البخاري، طويلا لندرك أبعاد هذه الخيرية وتميزها، فهذه الخيرية تتجاوز حدود الأجر العظيم، والوظيفة الدينية البحتة الجليلة، على فضلهما الأرفع إلى الأهمية الحياتية في كل جوانبها، وفي مقدمتها تربية الأجيال المسلمة على نور القرآن وهدايته، وترسيخ عقائده وقيمه فيهم، وحفظ لسانهم باستقامته على اللغة العربية، وحفظ نفوسهم وقلوبهم من التلوث بالقيم المادية الفاسدة، وتنشئتهم على معاني الطهر والخير والصلاح، وهذه المعاني لا بد أن يستحضرها المرابطون في المدارس القرآنية والمساجد من معلمي القرآن ومعلماته، فهم يقومون بوظيفة حضارية جليلة زيادة على خدمتهم لدينهم وكتاب ربهم، والوعي بهذا المقام هام جدا للثبات وتقدير ما يقدمونه وما يسهمون به في صلاح المجتمع وإصلاحه. وإن جهله من جهل، وغفل عن قيمته من غفل، وجحده من جحد.
إن القرآن العظيم هو كتاب الهداية الأوحد، وكل من تنكّب طريقه تخبط في الضلال والظلام، وهو كتاب هداية عامة: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} سورة الإسراء:9، فهو يهدي للأقوم في كل مجالات الحياة ونواحيها: التربوية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والسياسية والأخلاقية والفكرية والتشريعية والعقدية.. ومن يتربى عليه سيكون قَمينٌ بالسير في الطريق الأقوم والصراط المستقيم في حياته، وهذا ما نرجوه لأبنائنا وبناتنا، وهذا ما توفره لهم المدارس القرآنية، التي هي عرين تخريج الحافظين لكتاب الله تعالى والحافظات، والقائمون على هذه المدارس من معلمي القرآن ومعلماته، والمسيرين والمسيريات، والمحسنين والمحسنات هم مرابطون في ثغر من ثغور الرباط الحضارية، ذلك أن المدارس القرآنية تحفظ على أولادنا دينهم وقيمهم وأخلاقهم، ولغتهم وهويتهم وعقولهم وقلوبهم ونفوسهم، وهذه هي ميادين الصراع الحضاري، يضاف إلي ذلك ملأها الفراغ الرهيب الذي يخلفه تخلف المنظومة التربوية والجامعية. وهذا يستوجب على الجميع العمل على تطوير المدارس القرآنية، وتفعيل أدوارها الحضارية، كما يستوجب على المسؤولين إعادة النظر في وضع المدرسة والجامعة وتصحيحه بما يخدم مصالح العباد والبلاد، على الأقل في جانب التوقيت المختل، الذي يعطي أولوية على الفراغ والعطل على الجد والاجتهاد، حتى تكون المدارس القرآنية متكاملة مع المدرسة والجامعة لا بديلا عنهما. والكل راعٍ، والكل مسؤول عن رعيته وأمانته.