نموذج خالد عبر الزمن

0

مبادرة من رئيس الجمهورية، قامت جامعة أكسفورد، من خلال مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يوم 13 يونيو 2026، بتدشين برنامج الأمير عبد القادر في احتفال متميّز يجسّد المكانة العلمية والفكرية الرفيعة لهذه الشخصية التاريخية الفذّة، كما تم إنشاء قاعة الجزائر لتكون رمزًا لهذا الإنجاز العلمي البارز.

ومن المنتظر إطلاق مشروعات للتعاون العلمي والثقافي بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامع الجزائر ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، بما يعزّز انتشار فكر الأمير عبد القادر وإبراز تراثه الإنساني والحضاري، بوصفه نموذجًا خالدًا تزداد قيمه حضورًا وأهمية مع مرور الزمن

لا يزال فكر الأمير عبد القادر وروحه يلهماننا إلى اليوم. فقد كانت قوته تكمن في رؤيته للعالم، رؤيةً جزائريةً أصيلةً وعالميةً في الوقت نفسه. وقد بيّن أن طريق الاعتدال والوسطية، وطريق الإنسان الكامل، ونموذج العيش المشترك، تمثل جميعها منهجًا أساسيًا وجوهريًا ومتعدد الأبعاد، من شأنه أن يسهم في إنقاذ العالم.

كان الأمير يوضح أن العالم ليس أحادي البعد، بل يحتاج إلى الحكمة والتوازن. وقد أدرك أن الفصل التام أو التعارض بين الأبعاد الأساسية للوجود -بين الإيمان والعقل، والدنيوي والروحي، والوحدة والتنوع، والحرية والقانون، والفردي والجماعي- يؤدي إلى الاضطراب ثم إلى المآزق. فلا ينبغي أن نضع هذه الأبعاد في مواجهة بعضها البعض، ولا أن نخلط بينها. لقد كانت رؤيته قائمة على الانسجام والتوازن.

وفي عالم اليوم الذي فقد بوصلته، يرشدنا الأمير إلى طريق مفتوح. ففي عالم تسوده القسوة، يعلمنا الرحمة. وفي عالم فقد معالمه، يعلمنا الشجاعة. وفي عالم يتجه نحو نزع الإنسانية، يذكرنا بأن الأخلاق يجب أن توجه العمل، وأن الفكر لا ينبغي أن يكون أسيرًا لقيود اللحظة. كما أن فكره يعيد النظر في السرديات التي تفرق وتقصي وتظلم. وقد كان صوتًا ناقدًا لكل أشكال التطرف، موضحًا القضايا الجوهرية ومقدمًا رؤية متجددة للمستقبل.

إن هذا الحدث العلمي والثقافي والتاريخي، المنعقد في هذا الصرح الكبير للمعرفة، يؤكد أن الشخصية الاستثنائية والعظيمة للأمير عبد القادر لا تزال تشع نورًا في العالم. لقد صنع التاريخ ببصيرته وعمق إنسانيته، وحمل في نفسه حسًا أخلاقيًا لا نظير له. وعندما اختاره شعبه قائدًا له، قال: "لا أريد إلا أن أحفظ شرفي وشرف شعبي". وهي كلمات يصعب حتى تصور صدورها في زماننا هذا. إن إرث الأمير عبد القادر الجزائري يساهم في إعادة الثقة بين الشعوب والتآلف الاجتماعي داخل المجتمعات. وهذه ميزة أساسية في عصر الشكوك والأزمات.

ينتمي الأمير عبد القادر إلى تراث الجزائر، كما ينتمي إلى التراث الإنساني جمعاء. ومن خلال إنشاء برنامج الأمير عبد القادر في Oxford Centre for Islamic Studies، وهي إحدى أعرق مؤسسات العلم والمعرفة في بريطانيا والعالم، تتبوأ الجامعة موقع الريادة في تعزيز الحوار بين الحضارات، وهو الحوار الذي كان الأمير نفسه من رواده الأوائل.

ولعلّه لا يوجد مكان أنسب لدراسة حياة الأمير عبد القادر وفكره من هذا المقام العلمي الرفيع. فقد كان جسرًا بين العوالم: بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. وكان من أوائل من غرسوا بذور الحرية للأمة الجزائرية الحديثة، ومن أبرز المدافعين عن الشعوب المظلومة. وعلى امتداد حياته، استطاع الأمير أن يجمع بين الواقع والمثال، وبين العمل والتأمل. وكان هدفه الدائم تكوين الإنسان الكامل، رجالًا ونساءً مخلصين للصالح العام.

لقد ارتفع الأمير فوق حدود عصره بما امتلكه من جوانب متعددة للعظمة. وفي زمننا المضطرب، تحتاج الإنسانية إلى تعاليمه أكثر من أي وقت مضى. وكان يقول إن خير الناس هو أكثرهم نفعًا لوطنه وللبشرية جمعاء. وهو ثمرة بلده الجزائر، تلك الأرض التي يوحي اسمها نفسه بالحرية، والتي كانت مهدًا للإنسانية ومفترقًا للحضارات، رغم ما مرت به من محن وتحديات.

وبالنسبة للأمير عبد القادر، كان الحوار يعني ترسيخ العيش المشترك السلمي والسعي إلى تحقيق الخير العام من خلال العقل والحكمة. وكان يذكرنا بأن مبادئ النظام العالمي وحقوق الإنسان لا ينبغي أن تُفرض من منظور ثقافة واحدة، بل يجب أن تنبثق من جميع الثقافات وتُثريها مساهماتها المتبادلة. وكان يؤكد أنه لا سلام عادلًا ودائمًا من دون عدالة.

إن نضاله من أجل عالم يقوم على المعنى والسلام والنظام العادل لا يزال أكثر راهنية من أي وقت مضى. وإن الوفاء لتراث الأمير يعني التوفيق بين الأصالة والتقدم، وتقريب الشعوب بعضها من بعض. والجزائر تواصل هذا النهج بإخلاص، مستلهمة أعمق منابعها الحضارية والروحية. وهي لا تزال جسرًا بين الأمم، كما كان الأمير عبد القادر جسرًا بفكره وأعماله النبيلة.

(*) مفكر ومتخصص في حوار الحضارات، ومؤلف كتاب "الأمير عبد القادر، رسول الأخوة الإنسانية"، الصادر عن دار القصبة للنشر