تطل علينا سنة هجرية جديدة (1448هـ)، هذه الأيام، بعدما انقضت سنة من عمرنا، وللعام الهجري وقع في نفوس المسلمين فهو يذكّرهم بهجرة المصطفى صلّى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ويستحضرون الدروس والعبر من تلك الهجرة بخاصة ومن سيرة الرسول عامة فيُجدّدون حياتهم ويبعثون الأمل والعمل في نفوسهم فيسعون إلى إحياء سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام.
ولعلّ أول درس هو إدراك قيمة الوقت، فالوقت هو الحياة، واستغلاله في الطاعة طريق النجاة، عام من حياتنا مضى، بحُلوه ومُرِّه، بخيره وشرِّه، بحسناته وسيئاته، لا ندري أيكون لنا أم علينا؛ لذا يجب أن نكون من الله على وَجَل؛ {الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون}، لهم المغفرة؛ {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير}.
إن انتهاء عام من أعمارنا قرّبنا من لقاء الله خطوة، ولا ندري كم بقي من أعمارنا، بعض خطوة، أم خطوة، أم خطوات؛ يقول الحسن البصري: إنما أنت أيها الإنسان أيام مجموعة، فإذا ذهب يومك فقد ذهب بعضك... إذا مرّ يوم من حياتك، فقد وقعت ورقة من شجرتك، وطوِيت صفحة من صفحاتك، وهوى جدار من بنيانك! ويقول عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما، نعم الليل والنهار يعملان فيك، كيف؟! يُقرِّبان كل بعيد، ويُبليان كل جديد، ويفلاَّن كل حديد!
إن ذهاب عام، ومجيء آخر أمر يستدعي منا الوقوف مع أنفسنا وقفة جدية للمحاسبة الصادقة؛ وذلك لأن من غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، واشتدت عليه حسراته، وأي حسرة على العبد أعظم من أن يكون عمره عليه حجة، وتقوده أيامه إلى مزيد من الردى والشقوة، إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين، فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا بألفاظ... يقول الفاروقُ عمر بن الخطاب: “حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن عليكم”.
إذا كانت الهجرة في وقت من الأوقات تعني النُّقلة المكانية من أرض الشرك إلى أرضِ الإسلام، من مكة إلى المدينة، فقد ألغاها النبي صلّى الله عليه وسلم حينما قال: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية”، ألغاها بالمعنى الجغرافي، لكنه أبقاها بالمعنى المعنوي، حيث قال: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.
إذًا فالمطلوب من كل منا أن يهاجر، يهاجر من المعصية إلى الطاعة، من الكسل إلى العمل، من القنوط إلى الأمل، من الضعف إلى القوة، ومن التسفل إلى القمة، من الذلة إلى العزة، ومن الانكسارِ إلى الانتصار، من الانكفاء على الذات إلى الاهتمام بشأن المسلمين، من مصلحة الفرد إلى مصلحة المجموع، من حياة الهوان والحرمان إلى حياة الإيمان والإحسان.
وهذه المعاني كلها مازالت صالحة لكل زمان ومكان، فما أحوج العبد المؤمن إلى هجر كل ما يغضب الله عز وجل من فتن وإغراءات وعادات ورعونات، وهذه هجرة مفتوحة دائما، فقد روى أبو داود بسند صحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها”.
إن للهجرة عند المسلمين معان عميقة في الوجدان والعقيدة، إذ تفصل بين الحق والباطل بالهجرة إلى الله تعالى.. بالهجرة من الشرك والكفر إلى الإسلام؛ وبذلك تعد الحد الفاصل بين عوائد المجتمع الجاهلي ونظامه وتأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة.
وفي عصرنا هذا يجب أن يعود معنى الهجرة إلى منبعه النبوي، فليست الهجرة هجرة الوطن بل هي هجرة موصولة تعمل على تعميق الإيمان فيه وتصل بين الماضي والحاضر والمستقبل انطلاقا من درس الهجرة النبوية الشريفة.
إن الهجرة النبوية الشريفة هي إحدى نعم الله تبارك وتعالى على عباده المسلمين. فلابد أن تكون محطة لأخذ العظات والدروس والعبر، ولا ينبغي قراءة هذه الهجرة النبوية في حال مرور ذكراها فقط، بل ينبغي علينا أن نتعلم ما بها مما تحمله في قلب كل مسلم.
وكما أننا نستذكر تاريخنا المجيد لابد وأن نفكر فيما نعمله وننجزه في السنة الجديدة، ونغتنم هذه السنة الهجرية بجميع ما تحمله من معان سامية: كي تكون بداية مباركة لتوبة نصوح صادقة، نجدد فيها إسلامنا، ونقوي إيماننا، نعاهد الله أن تجعلنا هذه السنة في زيادة من ديننا، نتقدم ولا نتأخر، نسير ولا نتوقف، نبادر إلى فعل الخير لجميع الناس، نغتنم فيها كل دقيقة بل كل ثانية في أعمال البر، نسابق إلى المغفرة، ونسارع إلى الرحمة، ننفر من الكسل والخمول، وننشط في الأعمال الخيرة، ونستعيذ بالله تعالى من الدعة والتفريط.