دخلت ولاية الجزائر في سباق مع الوقت لإنهاء آخر ما تبقى من أشغال في مشروع منتزه الاستقلال، الذي يربط المعلم التاريخي مقام الشهيد بفضاء الصابلات. يحدث ذلك في وقت أنهيت فيه أشغال الشرفات المطلة على خليج الجزائر وشرع في تزيين مسالك المشاة، للوصول إلى دار عبد اللطيف ومتحف الفنون الجميلة ومغارة سارفونتيس وحديقة التجارب، إنه منتزه بمثابة لبنة أخرى لتعزيز بهجة العاصمة ويقيم علاقة صلح بين المدينة والبحر.
الزائر لمحيط مقام الشهيد، ولاسيما الجهة المطلة على أحياء بلوزداد وحديقة الحامة، يلحظ شرفات المعلم التاريخي، مقام الشهيد، المطلة على خليج الجزائر، قد أنهيت بها الأشغال، وهي التي احتلت جزءا هاما في مشروع منتزه الاستقلال.
الشرفات هذه، عددها ثلاث (3)، تتراوح مساحة كل شرفة بين 21 و22 متربعا. واستنادا للعقد الموقع بين ولاية الجزائر، صاحبة المشروع، وشركة (سيرو أيست) المنحدرة من ولاية باتنة، بلغت تكلفة انجازها 5,7 مليون أورو، مع تزيينها بنباتات وأزهار على نحو يمنحها منظرا أكثر جاذبية للزوار. إذ أن الشرفات تلك ستضفي على المعلم التاريخي ومحيطه، قيمة جمالية، ما سيزيد من جاذبية المكان، إن لم يتحول إلى وجهة استقطاب هائلة للزوار ممن سيستمتعون بإطلالة بانورامية على خليج الجزائر لم يختبروها من قبل، ليلا ونهارا بعدما كان المكان منحدرا في غاية الإهمال.
تسريع الأشغال..
وإلى غاية الساعة، لا يزال تنفيذ النظرة الإستراتجية لتطوير وعصرنة العاصمة المندرجة ضمن المخطط الأزرق، تحظى بحرص خاص من لدن الوزير والي الجزائر، الذي يريد لمدينة الجزائر أن تستعيد حقوقها وهويتها الحضرية والتاريخية والثقافية والجمالية حتى تتبوأ مكانة امتيازية ضمن المدن الخمس (5)، (Top 5) الأولى في البحر الأبيض المتوسط؛ إذ قام قبل بضعة أيام بتفقد أشغال مشروع منتزه الاستقلال، بدء من الشرفات، وصولا إلى الجسر الذي يربط حديقة الحامة بفضاء الصابلات.
وتؤكد مصادر على صلة بالمشروع، أن القائمين على تسيير الشأن العام بولاية الجزائر، باتوا حريصين على تسريع آخر ما تبقى من أشغال، في خطوة لتسلم المشروع بمناسبة العيد الوطني للاستقلال المصادف لـ5 من شهر جويلية القادم، بدليل أن الوزير الوالي كان حريصا إلى حد ما على إسداء تعليمات للشركة المكلفة بالأشغال لأجل تسريع ريتم الانجاز واحترام المعايير التقنية.
ربط الحديقة بالصابلات
كما يشير شهود عيان إلى أن تهيئة المسالك والممرات المخصصة للمشاة وذوي الهمم، هي في مرحلة الرتوشات الأخيرة، فيما وصلت أشغال انجاز الإنارة العمومية على طول المسار من مقام الشهيد إلى الحامة مرورا بفيلا عبد اللطيف، متحف الفنون الجميلة، مغارة سارفونتيس وحديقة الحامة، مرحلة متقدمة، يرافقها غرس للنباتات والأزهار وتثبيت أرصفة، في مؤشر واضح إلى أن المنتزه سيكون وجهة مفتوحة أمام الزوار ليلا ونهارا في خطوة لاستعادة بهجة العاصمة.
والزائر لمحيط حديقة التجارب بوسعه الوقوف على أشغال ربط الحديقة بفضاء الصابلات عبر ممر علوي، إذ قامت مصالح ولاية الجزائر بغلق جزئي لشارع جيش #التحرير باتجاه الجزائر وسط، أمام حركة المرور بصفة مؤقتة للقيام بأشغال وضع عوارض الممر العلوي للراجلين الرابط بين حديقة التجارب للحامة ومحطة تحلية مياه البحر بالصابلات.
واستنادا لمخطط التهيئة الذي أعدته ولاية الجزائر، فإن هذه البنية التحتية الماثلة في انجاز الشرفات ومسار للراجلين وتهيئة هضبات مقام الشهيد، وصولا إلى حديقة التجارب بالحامة، تعد ضمن المحاور الرئيسية لتهيئة النسيج الحضري للعاصمة في إطار مخططها الاستراتيجي لتطويرها في أفق 2030.
مصعد هوائي جديد
كما يرتقب، تبعا لما جاء في مخطط التهيئة، انجاز مصعد هوائي جديد يدعم المصعد القديم، يسهل ما سمي بالتدفق المتقاطع للزوار من مقام الشهيد إلى بلوزداد، والعكس.. كما يسمح لهم بالوصول إلى المعالم التاريخية والثقافية والفنية الأخرى على طول المسار السياحي، في وقت تشير فيه إلى انجاز أكواريوم ضخم على مستوى محيط مكتبة الحامة تعرض فيه الحيوانات البحرية، إلى جانب انجاز ساحة عمومية، مع تهيئة فضاء رياضي وثقافي ترفيهي مجهز بمسرح في الهواء الطلق، ما سيعطي جاذبية أكثر لحديقة التجارب وباقي المعالم الأخرى، بل ويخلق علاقة وظيفية بين المدينة والبحر.
وتجري حاليا بالقرب من فندق سوفيتال، أشغال انجاز ساحة عمومية وأكاريوم وفضاءات للرياضة والترفيه. وترتب ولاية الجزائر، استنادا لمصادر على صلة بمنتزه الاستقلال، لاقتراح فضاءات للراحة على طول مسار المنتزه وأخرى للترفيه، بل وأخرى لاحتضان تظاهرات كبرى.
ويمتد منتزه الاستقلال الذي شرع في أشغال انجازه مطلع العام 2025، على طول 4، 8 كم، يربط مقام الشهيد ومنتزه الصابلات، مرورا بعدة معالم تاريخية وثقافية وفنية، منها فيلا عبد اللطيف، ومتحف الفنون الجميلة، ومغارة سارفونتيس، والمكتبة الوطنية بالحامة، وحديقة التجارب..
بعث الروح في المعالم التاريخية
ويكتسي هذا المسار السياحي رمزية تاريخية وثقافية، فمقام الشهيد الذي هو جزء من هذا المسار، هو صرح وطني، يربط بين الماضي الثوري والحاضر السيادي، ويجسد ذاكرة الجزائر الجماعية أمام العالم، إذ شهدت الهضبة سنة 1541 معركة ضد الحملة الصليبية بقيادة شارلكان، إذ ساهمت المدفعية المنطلقة منها في تحطيم سفن العدو، مثلما كان مكانا لتعذيب الجزائريين، وذلك بفيلا (سيزيني)، بل واجتمع في المكان مجموعة الـ22 في جوان 1954 لتحضير اندلاع الثورة، إنه مكان يربط بين تاريخ المقاومة الشعبية والثورة التحريرية ومعاناة الجزائريين إبان الحقبة الاستعمارية.
أما من الناحية السياسية، فوجود هذا المعلم بالعاصمة، جعل منه جزءا من البروتوكول الرسمي عند استقبال رؤساء الدول والوفود بالجزائر.
وستكتمل رمزية هذا المسار السياحي التاريخي مع الرمزية الثقافية والفنية لدار عبد اللطيف، التي بنيت في العام 1715 وتعود لعبد اللطيف، أحد أبرز أعيان الجزائر، لتتحول خلال الحقبة الاستعمارية إلى فضاء للفنانين الفرنسيين، قبل أن تصنف كمعلم تاريخي سنة 1967، لتعرف بعد ذلك مصيرا آخر بعد ترميمها وإعادة فتحها في 2008 وتتحول إلى مقر للوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي.
مغارة سارفونتيس
ويرتقب أن يستمد منتزه الاستقلال قيمته وجماليته من رمزية مغارة (سارفونتيس) بمنطقة بلوزداد، الممتدة على طول 7 أمتار، وهي شاهد تاريخي على ولادة الإبداع الأدبي للأديب الاسباني ميغيل دي سارفونتيس، الذي تجلى لاحقا في رواية (دونكيشوت)، لتفتح بذلك جسرا للتواصل بين الثقافة الجزائرية والاسبانية.. بل هي ملجأ توثق محاولات سارفونتيس المتكررة للهروب من الأسر (1575 1580)، إذ أعيد تهيئتها سنة 2006 إثر عمل مشترك بين الحكومتين الجزائرية والاسبانية.
وفي انتظار فتح أبواب منتزه الاستقلال الذي يعد امتدادا لرمزية مقام الشهيد، الذي يوثق لذاكرة الثورة الجزائرية وروح النضال لشعب حارب الاستعمار على نحو مستميت، ستشكل مغارة سارفونتيس لبنة أخرى على طريق إثراء هذه الوجهة السياحية الحافلة بما هو ثقافي وتاريخي، كونها تشكل موقعا أثريا يوثق لفترة من التداخل بين الثقافات، العثمانية، والجزائرية والاسبانية، تحولت اليوم إلى مزار سياحي مفتوح أمام الزوار وتضم حديقة صغيرة ومنحوتات.
إنها واحدة من الشواهد المعززة للسياحة الثقافية، خصوصا وأن المنظمة العالمية للسياحة كانت أشارت إلى أن موجات السياح في العالم، راحت تميل خلال السنوات الأخيرة إلى ما يفتح دهشتها الثقافية.
متحف الفنون
والحاصل، أن عمليات إعادة التهيئة العميقة في ظل السياق المتسارع لـ "المثروبولية" التي تعرفها العاصمة، يتطلب ديناميكية جديدة تعيد رسم ملامح مدينة الجزائر، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتوازن الاجتماعي والضغط على البني التحتية.
كما يمكن لزائر منتزه الاستقلال عند افتتاح أبوابه، أن يعرج على المتحف الوطني للفنون الجميلة ويعيش تجربة تجمع بين التاريخ والطبيعة والفن، فهو الذي يضم أزيد من 8000 عمل فني، بينها لوحات أوروبية تعود للقرن الـ15، منها أعمال إيتيان ديني، إلى جانب محمد إسياخم، ناهيك عن الفعاليات التي ينظمها، كالمعارض وورشات الأطفال.
كما يعرض أعمالا كلاسيكية وحديثة، بل إنه متحف سيعزز هوية منتزه الاستقلال ويجعل منه مسارا متنوعا يجمع بين الثقافة والفن، ومن العاصمة فضاء يتقاطع فوقها التاريخ والبحر والثقافة والفن.
تجربة لا تتكرر..
ويمكن لحديقة الحامة، كحلقة في مسار منتزه الاستقلال، أن تمنحه بعدا بيئيا وعلميا من جانب كونها تضم 2500 نوع نباتي، مما يؤهل المنتزه ليكون ذا طابع عالمي من الناحية البيولوجية. كما أنها حديقة تؤدي وظيفة تعليمية، تستقبل طلبة المدارس والجامعات وتوفر فضاءات للتعليم الميداني، ما يجعل المنتزه يكتسي طابعا تربويا.
وإلى ذلك، فحديقة الحامة تعد من أندر الحدائق في إفريقيا وأجملها في العالم، بل هي حديقة توثق للذاكرة التاريخية للعاصمة، لأنها تأسست في 1932، لذلك فربطها بمنتزه الاستقلال سيمنحه عمقا حضاريا وبيئيا.
وبناء على ذلك، فإن تلاقي الأبعاد التاريخية والثقافية والفنية والبيئية والعلمية في مسار سياحي مثل منتزه الاستقلال، سيجعل زواره مستقبلا يعيشون تجربة لا تتكرر في مكان آخر، إنه مسار يتيح لك التأمل في شواهد الذاكرة الجماعية والاستمتاع بالفن إلى الاستمتاع بالطبيعة، تجعل من العاصمة مدينة يلتقي فيها البحر مع الذاكرة والثقافة والفن.. إنها عناصر تجعل من هذا الممر السياحي مساهما في صنع هوية مدينة.
تلاقي المنتزه بالبحر..
وتعكس الأشغال المتواصلة على مستوى حديقة الحامة لأجل تثبيت عوارض الجسر الذي يربط حديقة الحامة بفضاء الصابلات، واحدة من حلقات ربط المنتزه (الاستقلال) بالواجهة البحرية. ويشير إطارات على صلة بالتخطيط الحضري، إلى أن ربط منتزه الاستقلال بالبحر سيعطي مدينة الجزائر هوية حضرية جديدة، أين يندمج البحر مع الفضاءات الثقافية والفنية، بل إن فتح المنتزه على الواجهة البحرية سيخلق فرصا للاستثمار في المطاعم والمقاهي والأنشطة البحرية.
إذ بوسع الزائر أن يعيش تجربة سياحية فريدة تبدأ من مقام الشهيد، وتنتهي بالبحر، مرورا بدار عبد اللطيف ومغارة سارفونتيس والمتحف الوطني للفنون الجميلة، ثم حديقة الحامة.