عنوان-الدمام- شفاء محمد :
ناقشت الجلسة الحوارية الرئيسية لـ “مؤتمر سلاسل الإمداد والمشتريات 2026” في نسخته الثانية، التحولات اللوجستية المتسارعة والتحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تواجه حركة التجارة العالمية، مستعرضة آليات الانتقال من إدارة المخاطر التقليدية إلى بناء منظومات إمداد مرنة ومستدامة تدعم النمو الاقتصادي وتواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030.
الجلسة أدارها خبير سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية المهندس خالد صالح الغامدي، حملت عنوان: «سلاسل الإمداد في عصر الاضطرابات الجيوسياسية، من إدارة المخاطر إلى بناء المرونة»
استهل رئيس مجلس إدارة بنك سيتي جروب السعودية، الأستاذ مطلق المريشد، الطرح بالتأكيد على الدور الحيوي لمجالس الإدارات في استباق الأزمات، مبيناً أن مسؤولية المجلس تكمن في طرح الأسئلة الصعبة والتنبؤية خلال فترات الاستقرار الاقتصادي لتهيئة الكيانات للمتغيرات المفاجئة.
وأوضح المريشد أن مفهوم سلاسل الإمداد الحديثة تجاوز التركيز التقليدي على خفض التكاليف التشغيلية، ليركز بشكل أساسي على المرونة والقدرة الحقيقية على التوصيل وضمان تدفق الإمدادات. وأشار إلى تجارب شركات وطنية كبرى مثل سابك والتصنيع التي نجحت بفضل خطط استمرارية الأعمال المطبقة لديها في امتصاص الصدمات العالمية المتتالية.
وشدد المريشد على أهمية تفعيل الخطط البديلة (Plan B) وتطوير مسارات نقل مرنة، مؤكداً أن مشروع خط قطار الشرق والغرب يمثل مشروعاً استراتيجياً كفيلاً بحل عقبات نقل ملايين الأطنان من الصناعات البتروكيماوية وتأمين حركتها بكفاءة عالية.
ثمانية مخاطر كبرى
من جانبه، حدد نائب رئيس مجلس إدارة جمعية سلاسل الإمداد والمشتريات، الأستاذ عبدالله صالح الطاسان، ثمانية مخاطر جوهرية تواجه قيادات سلاسل الإمداد والشركات وتؤثر مباشرة على استمرارية الأعمال:
ضعف التنبؤ بالطلب (Forecasting): يعد الخطر الأكبر لتأثيره المباشر على جودة المنتج النهائي ومنحنى الأداء العام للشركات.
عدم دقة مواصفات المنتج: صياغة المتطلبات الفنية والمواصفات بشكل لا يتوافق مع قدرات التصنيع الفعلية.
قصور تأهيل الموردين: حصر عملية التأهيل في مراجعة الوثائق والمستندات الورقية دون التحقق الميداني والتدقيق الفعلي عبر زيارات المواقع لكشف القدرات الحقيقية للمورد.
مخاطر المصدر الواحد (Single Sourcing): يظل الاعتماد على مورد واحد يمثل خطراً تشغيلياً كبيراً، باستثناء الحالات التي يكون فيها هذا المورد شريكاً استراتيجياً موثوقاً.
الأمن السيبراني وسلاسل الإمداد الرقمية: ضعف البيانات وعدم اكتمالها يعرض المنظومة اللوجستية للاختراقات والتعطل التشغيلي.
الاضطرابات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية: تأثيرها المباشر في قطع وتغيير مسارات سلاسل الإمداد العالمية.
تسرب الكفاءات والجدارات البشرية: يكمن الخطر في فقدان الكوادر الوطنية المؤهلة وصاحبة الخبرة التراكمية وخروجها المفاجئ من المنشآت اللوجستية.
التغيرات والتنظيمات التشريعية: لما لها من أثر فوري في تغيير مسارات الشراء والتعاقدات.
خمسة محاور استراتيجية لدرء المخاطر وتحقيق الكفاءة
ولمعالجة هذه التحديات وتجنب المخاطر التشغيلية والمالية، طرح الأستاذ عبدالله الطاسان خمسة محاور أساسية يتعين على المنشآت التركيز عليها:
1. بناء قاعدة بيانات دقيقة وصحيحة (جودة البيانات)
التركيز على ضمان اكتمال وصحة المعلومات المدخلة في الأنظمة وتجنب البيانات المغلوطة أو الضعيفة، انطلاقاً من القاعدة الأساسية التي تؤكد أن المدخلات غير الدقيقة تؤدي حتماً إلى مخرجات وأداء تشغيلي ضعيف.
1. تفعيل دراسة وأبحاث السوق (Market Research)
تغيير المفاهيم التي تهمل دراسة السوق، والالتزام بإجراء بحوث مستمرة تشمل دراسة المنتجات المتاحة وبدائلها، وتحليل سلوك الموردين ومستوى التنافسية بينهم، ومراقبة تقلبات الأسعار واتجاهات السوق المختلفة.
1. التأهيل الفعلي وتصنيف الموردين
تجاوز مرحلة التسجيل الإداري الشكلي للموردين، والانتقال الكامل إلى التدقيق والتحقق الفعلي، مع اعتماد نماذج تصنيف عالمية وعلمية، وأبرزها “نموذج كراليتش” (Kraljic Matrix) الذي يجب على مدراء المشتريات فهمه وتطبيقه بدقة لبناء استراتيجيات التعامل مع الموردين.
1. تعزيز المحتوى المحلي ونقل المعرفة
توسيع مفهوم المحتوى المحلي ليتخطى فكرة الشراء التقليدي من موردين محليين، والتركيز على دعم الصناعة المحلية بمفهومها الشامل من خلال توطين ونقل التكنولوجيا والمعرفة إلى داخل المملكة وترسيخ أسس الصناعة الوطنية المستدامة.
1. الاستثمار في العنصر البشري
التركيز الكامل على بناء كفاءات قادرة على قيادة سلاسل الإمداد بنجاح، وعدم النظر إلى ميزانيات تدريب وتطوير الموظفين كأعباء مالية أو تكلفة، وإنما كاستثمار طويل الأجل ضروري ومحوري لضمان استدامة المنشأة وتطورها.
القطاعات الأكثر عرضة للمخاطر الجيوسياسية والجاهزية الوطنية
بدوره، استعرض الرئيس التنفيذي للمشتريات في شركة التصنيع الوطنية الأستاذ تركي الجهني، القطاعات الأكثر تأثراً بالمتغيرات الجيوسياسية خلال السنوات الخمس المقبلة، مؤكداً أن كافة القطاعات التي تتقاطع مع سلاسل الإمداد العالمية تقع في دائرة هذا التأثير بشكل مباشر.
وصنف الجهني قطاعات البتروكيماويات، وصناعات النفط والغاز، وصناعة أشباه الموصلات، بالإضافة إلى القطاع الطبي، في مقدمة القطاعات الحيوية الأكثر عرضة للمخاطر اللوجستية، نظراً لاعتمادها الكثيف على استيراد المواد الخام والمضافات الأساسية من الأسواق الدولية.
وأكد الجهني أن المملكة نجحت في بناء خطط استباقية فعالة لمواجهة هذه الاضطرابات بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يتيح المرونة في استخدام موانئ ومنافذ لوجستية بديلة ومجهزة للتعامل مع مختلف الظروف على ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي.
وأوضح أن المبادرات المنبثقة عن رؤية السعودية 2030، والتوجه نحو تعظيم المحتوى المحلي، وجذب الاستثمارات الصناعية وتوطينها، بالإضافة إلى الاستثمار التاريخي طويل المدى في البنية التحتية للنقل، أثبتت جميعها جدواها العالية في توفير خيارات إمداد مستدامة وحماية مسارات تدفق السلع والصناعات الوطنية.
تحول مفهوم الكفاءة وموثوقية الإمدادات العالمية
من جهته، تناول نائب الرئيس لدائرة انتقال ورقابة أعمال “أسمو” بأرامكو السعودية، الأستاذ وجدي المقبل، دور أرامكو السعودية الريادي كعصب للاقتصاد الوطني والعالمي، مؤكداً أن المحافظة على مكانة الشركة كمورد موثوق للطاقة عالمياً تتطلب بالضرورة التأسيس لـسلاسل إمداد عالية الموثوقية والاستباقية.
وأوضح المقبل أن الشركة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى تمتد لعقود لمواجهة تحديات التوريد والشحن وتقلبات الأسعار التي تؤثر على مراكز الصناعة العالمية. وقد تبلورت هذه الاستراتيجية بإطلاق برنامج “اكتفاء” في عام 2015، وهو منظومة متكاملة للتوطين والدعم، جرى دمجها كعنصر رئيس في كافة عقود الخدمات واتفاقيات الشراء.
وأضاف المقبل أن “اكتفاء” أسهم بفاعلية في رفع نسبة المحتوى المحلي في مشتريات الشركة إلى 70% في عام 2025 بعد أن كان 35% فقط في عام 2015، مما ساعد على تأسيس حوالي 400 منشأة صناعية محلية تدعم جاهزية واستدامة سلاسل الإمداد الوطنية.
وكشف المقبل عن حجم الشراكات الاستراتيجية لأرامكو السعودية مع كبرى الشركات العالمية، مبيناً أنه جرى إبرام نحو 300 اتفاقية شراء استراتيجية طويلة الأجل لصناعات دقيقة وثقيلة تمتد لسبع سنوات وأكثر، بقيمة إجمالية تتجاوز 180 مليار ريال سعودي.
وأشار إلى أن المنظومة اكتملت بإنشاء سبعة مكاتب ومراكز عالمية تابعة لأرامكو السعودية موزعة في مختلف قارات العالم لتولّي مهام الشراء الاستراتيجي وإدارة الخدمات اللوجستية، مما يضمن الحفاظ على قنوات تواصل مباشرة ووثيقة مع أهم مراكز الصناعة والتقنية العالمية وتأمين تدفقات الطاقة دون انقطاع.